الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

101

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الإبطال والإنكار أن يتوجّه سؤال من المتكلّم مشوب بإنكار . عمّن اتّصف بزيادة ظلم الظّالمين الّذين كذبوا على اللّه ليضلّوا النّاس ، أي : لا أحد أظلم ممن افترى على اللّه كذبا ، فإذا ثبت أنّ هؤلاء المخاطبين قد افتروا على اللّه كذبا ، ثبت أنّهم من الفريق الّذي هو أظلم الظالمين . والمشركون إمّا أن يكونوا ممّن وضع الشّرك وهم كبراء المشركين : مثل عمرو بن لحي ، واضع عبادة الأصنام ، وأول من جعل البحيرة والسّائبة والوصيلة والحامي ، ومن جاء بعده من طواغيت أهل الشّرك الّذين سنّوا لهم جعل شيء من أموالهم لبيوت الأصنام وسدنتها ، فهؤلاء مفترون ، وإمّا أن يكونوا ممّن اتّبع أولئك بعزم وتصلّب وشاركوهم فهم اتّبعوا أناسا ليسوا بأهل لأنّ يبلّغوا عن اللّه تعالى ، وكان حقّهم أن يتوخّوا من يتّبعون ومن يظنّون أنّه مبلّغ عن اللّه وهم الرّسل ، فمن ضلالهم أنّهم لمّا جاءهم الرّسول الحقّ عليه الصلاة والسلام كذّبوه ، وقد صدّقوا الكذبة وأيّدوهم ونصروهم . ويستفاد من الآية أنّ من الظلم أن يقدم أحد على الإفتاء في الدّين ما لم يكن قد غلب على ظنّه أنّه يفتي بالصّواب الّذي يرضي اللّه ، وذلك إن كان مجتهدا فبالاستناد إلى الدّليل الّذي يغلب على ظنّه مصادفته لمراد اللّه تعالى ، وإن كان مقلّدا فبالاستناد إلى ما يغلب على ظنّه أنّه مذهب إمامه الّذي قلّده . وقوله : بِغَيْرِ عِلْمٍ تقدّم القول في نظيره آنفا . وقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يجوز أن يكون تعليلا لكونهم من أظلم النّاس ، لأنّ معنى الزّيادة في الظلم لا يتحقّق إلّا إذا كان ظلمهم لا إقلاع عنه ، لأنّ الضّلال يزداد رسوخا في النّفس بتكرّر أحواله ومظاهره ، لأنّهم لمّا تعمّدوا الإضلال أو اتّبعوا متعمّديه عن تصلّب ، فهم بمعزل عن تطلب الهدى وإعادة النّظر في حال أنفسهم ، وذلك يغريهم بالازدياد والتملّي من تلك الأحوال ، حتّى تصير فيهم ملكة وسجيّة ، فيتعذّر إقلاعهم عنها ، فعلى هذا تكون إِنَّ مفيدة معنى التّعليل . ويجوز أن تكون الجملة تهديدا ووعيدا لهم ، إن لم يقلعوا عمّا هم فيه ، بأنّ اللّه يحرمهم التّوفيق ويذرهم في غيّهم وعمههم ، فاللّه هدى كثيرا من المشركين هم الّذين لم يكونوا بهذه المثابة في الشّرك ، أي لم يكونوا قادة ولا متصلّبين في شركهم ، والّذين كانوا بهذه المثابة هم الّذين حرمهم اللّه الهدى ، مثل صناديد قريش أصحاب القليب يوم بدر ، فأمّا الّذين اتّبعوا الإسلام بالقتال مثل معظم أهل مكّة يوم الفتح ، وكذلك هوازن ومن